مرحبـا بـك!

مرحباً بكم في منتدى ألمانيا

Login with Facebook

التصنيفات

Taxi Driver.. هل هو أفضل فيلم عن الوحدة؟
  • تنبعث مركبته من الدخان الأبيض للطريق، ويرسو نظرنا فوق مقلتيه الحمراوتين، ولا نرى أو نسمع بعدها سوى ما يطلعنا عليه من أقوال وأفعال رمادية، وعلينا الآن إما أن نصدق أو نكذب ما يحدث لامرئ يستوطن الخصم مخيلته؛ فذاته هي ألد أعدائه.




    image




    يعرض فيلم (سائق التاكسي) للمخرج مارتن سكورسيزي بطلاً يصارع وحشة عصيبة تسيّره ليبتكر عالمه الخاص ويلعب دور المنقذ لحياة شخص آخر طالما أنه لا يستطيع إنقاذ روحه، السبيل الوحيد الذي يضمر شعوره بالذنب بعد أن فشل بذلك أمام رفيقه الأوحد الذي يداهمه عبر المرآة.

    إنها الشخصية السينمائية الأدق وصفاً لحال الفرد الأمريكي؛ رجلٌ وحيد دون أي وجهة يصبو إليها، فيدفعه تخبطه لأن يمتهن قيادة سيارة الأجرة ويقل ركابه إلى وجهتهم المحددة، إذ هو يتمنى الاقتراب من هذا الشعور بأية صورة محسوسة، ويبحث عن هدفه وسبب وجوده ولكن عبثاً!

    Boyhood .. ظاهرة سينمائية فريدة ومبتكرة استغرق صنعها 12 عاماً!




    يجوب ترافيس خلال عمله شوارع مدينة نيويورك الليلية ويدون على أسطر يومياته ما يشهده من شخصيات منحطة أو كما يُطلق عليها “الحيوانات”،

    ويتمنى أن “يهطل المطر يوماً ما ويجرف معه الحثالة عن الطرقات”، ويسمح لأنبوب المياه العام أن يطهر سيارته بعيد توصيله لأحد ركاب المدينة الوضيعين قبل أن ينهي ورديته اليومية. وفي نفس الوقت الذي نلحظه ينفر من هؤلاء الحثالة..



    نراه يتردد كذلك لمشاهدة الأفلام الإباحية، ويحاول بشكل بائس أن يتعرف على موظفة استقبال تلك السينما. يعمل على انتشال فتاة مراهقة من العمل كعاهرة مضطهدة مع أنه قد تعرف في السابق على بيتسي “الملاك ذو الرداء الأبيض” ويصطحبها معه لمشاهدة فيلم إباحي في موعدهما الأول.

    يدعي أنه من أشد مناصري أحد المرشحين الانتخابيين على الرغم من اعترافه لغيره بأنه لا يعرف شيء عن هذا الرجل. تعطي بيتسي العبارة الأنسب لشرح شخصية ترافيس بيكل، وتقتبسها من مقطع غنائي يقول: “بعضه خيال وبعضه حقيقي، إنه تجسيد حي للتناقض.”


    يُفسر هذا التناقض عندما نقرأ التعريف الاصطلاحي لشعور الوحدة: وهي حالة شعورية يختبر فيها الشخص إحساسي الفراغ والعزلة الشديدين، والوحدة هي أكثر من الرغبة بالحصول على رفقة معينة أو الحاجة لعمل شيء ما مع شخص آخر، بل هي شعور بالانقطاع والانفصال والغربة عن الآخرين.

    كما أن الشخص الذي يعاني من الوحدة قد يجد مسألة إنشاء أي علاقة إنسانية ذات معنى أمراً صعباً أو مستحيلاً. وغالباً ما يتملك الأشخاص الوحيدين حالة الفراغ الداخلي أو الجفاء، ويصاحبهما شعوري البعد والانعزال عن العالم.



    =============================
    من أفضل خمسة أفلام حققها المخرج مارتن سكورسيزي :
    ==============================

    نتعرف على ترافيس بيكل (روبيرت دي نيرو) في بادئ الأمر عند توجهه للعمل كسائق تاكسي، فيعلمنا حينها أنه جندي سابق من الحرب الفيتنامية وعمره 26 سنة، يسأله الموظف المسؤول عن تعيين السائقين الجدد “لماذا تريد أن تعمل كسائق؟” فيجيبه “لا أنام ليلاً”.

    وبما أنه يمضي ليله وهو يجوب الطرقات عاطلاً عن العمل، يقرر أن يقتات من أرقه والعمل كسائق لا يمانع أي وجهة يختارها الراكب، ولا يكترث بوقته أو مكانه، فالمسألة “لا تشكل فرقاً عنده”. ندخل عالمه وعقله اللذان يعيش وفقهما معزولاً عن الناس ونستمع لصوته يسرد مذكراته التي غالباً ما تدور حول دناءة مدينة نيويورك وهي مسرح حياته أو إبرازه للأشخاص الذين يتركون أثراً مغيراً في شخصيته أو أولئك الذين يرى أنهم يفسدونها.

    يقدم لنا ترافيس المرأة التي تستحوذ على تفكيره واسمها بيتسي (سيبيل شيبيرد)، واصفاً ظهورها الأول “كملاك يرتدي فستاناً أبيضاً”، مترقباً لها بنظراته من خارج مكان عملها في مقر الحملة الانتخابية للمرشح تشارلز بالنتاين، معجباً بما يراه فيها من استقلالية وعفة مستمتعاً بطعم شرابه..

    وكأن مخيلته قد شطحت بعيداً في ملامحها. يتجرأ أخيراً للتحدث معها بحجة تطوعه لحملة الانتخاب، والأكيد أن ترافيس لا يملك أدنى فكرة حيال بالنتاين أو أفكاره أو أهدافه، وجوابه عن سؤال بيتسي “لماذا ترغب بالتطوع؟” يوضح ذلك “لأنكِ أجمل امرأة شاهدتها في حياتي”.

    يتمكن من إقناعها في قبول دعوته لاحتساء كوب من القهوة ومن ثم الذهاب معه إلى السينما (مرتديةً فستاناً أبيض اللون كذلك)، إلا أنه يُفسد كل شيء عندما يعمد على اختيار مشاهدة فيلم إباحي، ضارباً طهارتها التي وصفها سابقاً بعرض الحائط، جارفاً بها أسفل عالمه الشيطاني الدنس.

    تمتنع بيتسي بعيد تلك الواقعة عن الاستجابة لمكالماته وتنفر منه كلياً، فيهاجمها ويضعها مع البقية في نفس الخانة “أنتِ في الجحيم وستموتين هناك كالآخرين”. تأخذ حياة ترافيس منعطف مناقض جديد، حيث يصمم على لعب دور البطل في حياة فتاة ليل مراهقة تدعى آيريس (جودي فوستر)..

    والتي يشعر أنها قد لجأت إليه ليجد لها مخرجاً من هذا العالم الدنيء ومن هذه المهنة الرخيصة ويعيدها إلى منزلها سالمة، بيد أنه لا يدرك بعد العواقب التي تنتظره في هذه المهمة.

    (سائق التاكسي) بلا أدنى شك من أفضل خمسة أفلام حققها المخرج مارتن سكورسيزي طوال مسيرته الوافرة بالإنجازات المهمة (يصعب حصرها). وتكمن قيمة الفيلم كمقام أول في تعدد أبعاد وقشور القصة التي كتبها بول شريدير،

    حيث يمكن النظر لأحداثه كإثارة بحتة حول رحلة هذا الرجل في عالم الوضاعة لمنتصف سبعينات نيويورك، أو متابعتها كدراسة لواحدة من أعقد الشخصيات السينمائية وأكثرها تحدياً، أو كذلك مشاهدتها كدراما نفسية تتناول مواضيع الوحدة والهوس وتشويه الذات وتعذيبها.

    أفلام هندية ” مُلهمة ومُحفزة ” يجب أن تشاهدها في أقرب فرصة !



    ==================
    أداء لا ينسى من روبيرت دي نيرو :
    ==================

    لن يسهل على المشاهد هضم أو استيعاب فحوى الحكاية ككل من المشاهدة الأولى أو الثانية، وهذا جزء من باطنية الفيلم الأزلية. تُفصح موسيقى بيرنارد هيرمان عن أسرار القصة المرعبة بالمزج بين شاعرية آلة الساكسفون ونقرات الطبل..

    وتساعدنا على تفهم القصة بطريقة أو بأخرى؛ وكأنها تلحن لآذاننا كيف ينظر ترافيس لمدينته وسكانها (تقترح وجود علاقة حب وكره بينه وبين نيويورك، وإلا لماذا لا يرحل للعمل في مدينة أخرى؟ وبالتالي المزيد من التناقض). بينما تصوير مايكل تشابمان يقدم صوراً حمراء بالية عن نيويورك وكأننا نمقت وجودنا داخل نادي ليلي عفن، وبخروجنا منه تتعثر أقدامنا في مستنقعٍ دمويٍ موحل.

    The Beach.. هل يمكن الإستمتاع بنعيم الجنة على الأرض ؟!

    حتى بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على إنتاجه، لا يزال من الصعب أن نقدر مدى مرض أو اختلال ترافيس بيكل،

    فبراعة كتابة وتصوير الشخصية ساهمت في إثراء شعبية الفيلم لدرجة وصلت أن بعض المشاهدين يرونه بطلاً يجسد شعورهم الخاص حول الوحدة وآخرون يعدونه نقل حي للشر الدفين في نفسية كل إنسان.

    سرعان ما ستكتشف أن المفتاح الرئيس لفهم رسالة الفيلم وتفوقه يأتي من خلال أداء روبيرت دي نيرو الماهر بتحوله السلس ليكون ذلك الشخص بلحمه ودمه، ويفزعنا لتفهمه تلك التعقيدات والمشاكل التي تؤرق صميم ترافيس وتعبيره المقلق عنها.

    ستبقى مسألة الاقتناع أو الشك بمجريات المشهد الأخير قابلة للنقاش إلى الأبد (فوقية الكاميرا وتجوالها هي نظرية إلهية حيال فدائية ترافيس، وبدورها تعطي الفيلم وترافيس خلاصهما الروحي).

    تسائل بعض النقاد إن كان هذا المشهد برمته من فبركة خيال ترافيس نفسه أم لا، بيد أنني مهتم أكثر بالمشهد الذي يجتمع به مع بيتسي قُبيل الخاتمة، انتبه لوجهها وهي تنادي اسمه من خارج التاكسي بعد أن أوصلها، تبدو اللقطة وكأنه الموقف الذي يتمنى ترافيس أن يخدع به الفيلم نفسه بالقول “هل أصبحت بطلاً بنظر بيتسي؟”، لأننا داخل التاكسي لم نرها سوى من خلال مرآة ترافيس، ومنذ متى نثق بما نشاهده فيها؟ ترافيس نفسه راودته الشكوك حول ما رآه وقام بتعديلها.



    879978.jpg
    810 x 456 - 29K