مرحبـا بـك!

مرحباً بكم في منتدى ألمانيا

Login with Facebook

التصنيفات

الطبيعة يكتنفها السر ..
  • إنها ليست كما تبدو على السطح بالنظر الساذج الموضوعي .. سماء الليل المُرصعّة بالنجوم ليست كما تبدو مجرد ملاءة سوداء عليها نقط فِضيّة .
    إن فيها عُمقاً و استسراراً .
    و البحر ليس مجرد حوض مليء بالماء المالح .
    إن فيه هو الآخر .. عمقاً .. و رهبة .
    إن رؤيته و هو يجيش و يتلاطَم .. تهز النفس .

    الطبيعة أعمق من كونها خريطة .. و مسطحات ممدودة .. و شكلاً جغرافياً .
    إن فيها عمقاً كالعمق الذي نراه في عين وحش كاسِر مذبوح يتألم ..
    إن الوصف الموضوعي لماء البحر بأنه ماء مُذاب فيه سلفات صوديوم و سلفات ماغنيسيوم و كلوربوتاسيوم .. إلخ .. إلخ .. وصفٌ مُضحِك .
    هناك نوع عميق جداً من التخاطب .. بين الإنسان و الإنسان .. و بين الإنسان و الطبيعة .. يتم بدون العقل .. يتم عبر العقل .. يتم بدون نظر موضوعي .. بالإلهام .. بالرؤية الوجدانية .. و الإتصال المباشر بدون وساطة الكلام .

    حاسة سادسة أو سابعة تكشف للإنسان روح الأشياء في لحظات .. و في ومضات خاطفة .. فيحس كأنما هذه الطبيعة الموضوعية الظاهرة للحواس ليست هي كل الحقيقة .
    و إنما هناك شيء وراءها .. و أنها مجرد جسد .. مثل الجسد الممدد على مائدة العمليات .. جسد وراءه شيء .
    العالَم ليس ما هو عليه .
    النظرة الموضوعية ليست كافية .
    العِلم لا يفي بأغراضه في البحث عن الحقيقة ، إنه مجرد خطوة .

    الإنسان ليس مجرد بيت خربان يكفي لإصلاحه أن نقوم بعملية مكياج خارجية .. فندهن الحجرات بالزيت و نُغطي الأرض بالباركيه .
    الإنسان أكبر بكثير مما يبدو من خارجه .

    و ترميمه من الخارج بإطعامه .. و تأمين الضرورات المادية لحياته .. و صيانته بالكساء و الدواء .. خطوة مهمة أولى في طريق طويل و لكننا لابد أن نتجاوز هذه الخطوة .
    و نتجاوز أفعالنا .. و نصعد على عقولنا .. و ننظر عبرها .. عبر ما يبدو من حدود موضوعية أمامنا .
    إن الحقيقة وراء كل هذا ..

    إن كل ما هو واضح و محدد و مفهوم في هذه الدنيا لا يدل عليها .. و إنما يدل على غرورنا فقط .

    إن أكثر الأشياء دلالة على حقيقة هذه الدنيا .. هو جانبها المحجوب الخفي .. الحاضر في وجداننا .. الغائب عن حواسنا .

    إن كل ما يبدو للحواس له دلالة رمزية فقط .. إنه مجرد شفرة للحقيقة .
    إن الكثرة التي نراها حولنا كثرة رمزية أكثر منها كثرة حقيقية .

    و حينما يأخذ العقل بهذه الجزئيات التي يراها .. و يقف عندها .. يضل .. يتوه ..
    فهناك ألف مليون مليون مليون شيء مختلف في الدنيا .. و مع ذلك فالإختلاف ظاهري فقط .
    و كل هذه الأشياء المختلفة مترابطة في سياق عضوي كأنها أعضاء جسد واحد .

    عشرات الآلاف من أنواع النبات و الحيوان من حشرات لزواحف لطيور لزهور .. هي في الواقع عشرات الآلاف من التباديل و التوافيق في مادة واحدة هي مادة البروتين .. في سباق زمني طويل من التطور و النشوء و الإرتقاء .

    الحركة و الكهرباء و الحرارة و الضوء و الصوت و المغناطيسية .. جميعها شفرة لشيء واحد .. و دلالات رمزية لحقيقة واحدة .. و مترادفات لغوية لمعنى واحد .. هو الطاقة .

    ما يبدو لنا تكاثراً هو في الحقيقة .. واحد .

    شيء واحد يكشف لنا عن وجوده بملايين الرموز .. و الرموز ..
    التاريخ قصة رمزية مسلسلة .

    إن كل فصل تاريخي بذاته عمل فاشل لا يوجد ما يبرر ما بُذِل فيه من دم و تضحيات .
    التاريخ عملية ثورية تفشل دائماً في بلوغ أهدافها .. كل عصر يحمل بذور فنائه فيه ..
    و مع ذلك .. فأحداث التاريخ الفاشلة لها دلالتها .. و دلالتها تقوم عبرها .. و عبر نهايتها .

    معنى التاريخ في المستقبل .. و ليس في الحاضر .. و لا الماضي ..
    في ملكوت المستقبل الذي يحلم به الإنسان ..
    في الحرية التي يحاول تحقيقها ..

    في التاريخ القديم حطم إبراهيم أصنام الجاهلية ..
    و في التاريخ الحديث حطمت الشيوعية صنم رأس المال .. و أقامت صنماً أعتَى إسمه .. الدولة .. الحكومة .. و هي كأي حقبة تاريخية تحمل بذور فنائها فيها ..
    تحمل بذرة الفوضوية التي سوف تحطم صنم الدولة و صنم الحكومة .

    و التاريخ ماضٍ في تسلسله .
    و الماضي لا يموت .. إنه يُبعَث في الحاضر بألف صورة و صورة .

    رموز ..
    الواقع رموز ..
    و بدون هذا الفهم الرمزي للواقع يبدو الواقع كثيفاً غليظاً .

    إن استشفاف الرموز و المعاني من الواقع الغليظ الكثيف الجاف يخفف من جفافه و غلظته و يضيئه .
    و بدون هذه الرؤية الوجدانية للواقع يصبح الواقع كابوساً .
    الرؤية الموضوعية تجعل من الواقع كابوساً يجثم على الحواس .. و تجعل من مفردات الواقع حقائق نهائية .

    و الإدراك لا يتعامل مع الواقع على هذا الأساس .
    الإدراك يخطو عبر الواقع و يتعالى عليه و يبحث عن معناه .. وراءه .. خلفه .

    إنه يتعامل مع رموز الواقع باعتبارها حقائق ناقصة .. يبحث لها عن معنى ..

    هل جربــت البنج الموضعـي ؟؟

    هل جلسـت على كرسي طبيب الأسنان و فتحت فمك و أسلمته نفسك ليحقنك بالبنج .. ثم بدأت تتفرج عليه و هو يقتلع ضرسك من جذوره و يُخرجه بيده مغموساً بالدم .. و أنت تتفرج عليه في فضول و كأنه ضرس رجل آخر .. و قد مات شعورك تماماً .. ؟؟

    إن منظر الجراح و هو يحاصر الجلد بالبنج ثم يقصه في هدوء كأنه يقص قطعة من الصوف الإنجليزي .. منظر غريب ..
    و الأغرب منه منظر المريض و هو يتابع هذه العملية في دهشة .. و ينظر إلى جلده و المقص يقطع فيه بلا ألم .. و كأنه جلد رجل آخر لا يعرفه .. و ينظر إلى جسمه و كأنه ليس جسمه .. و ينظر إلى نفسه .. و كأنه شيء آخر غير ما هو عليه .

    إنه يسأل نفسه :
    مَنْ أنا .. ؟
    أنا لا يمكن أن أكون ذلك الشيء الذي يقطعه الطبيب .. و يقصه و يرقعه .
    أنا لست ذلك الجسم الذي يبتره الجراح .. أنا لست الشعور الذي مات .
    أنا لست موضوع تلك العملية .
    أنا مجرد متفرج على ذلك الشيء الموضوع على المائدة .

    و هو إلهام صحيح تماماً .

    إن الإنسان ليس موضوعاً .. و لا يمكن إحالته إلى موضوع يُنظَر إليه من خارج كما يُنظَر إلى خريطة جغرافية .
    الإنسان هو الآخر له أعماق " جوانية " لا تحيط بها النظرة الموضوعية .

    الإنسان داخله نهر من الأفكار و المشاعر .. متجدد .. متدفق بغير حدود ..
    نهر من الأسرار .. غير مكشوف لأحد سواه هو .. و لا شيء يبدو من هذا النهر من خارجه .. و لا يمكن أن تحيط به نظرة موضوعية .

    و أنت حينما تتخذ من الإنسان موضوعاً .. يفقد في يدك الحياة .. و يفقد الوحدة .. و يتفكك و يتحول إلى جسد .. إلى مادة تشريح .. إلى سيء .. أي شيء إلا الإنسان الذي تقصده .
    واقع الإنسان المرئي الظاهر .. ليس هو الإنسان .. إنه إفرازه .

    و العلم يتحسس الإنسان من خارجه فقط .. يفحص بوله و دمه و نخاعه و عرقه و لعابه .. يفحص إفرازاته .
    و هو لا يستطيع أن يخطو عبر هذا المظهر .. إلا بالإستنتاج .

    و لكن الفن يستطيع أن يدخل الإنسان عبر العقل و المنطق ليخاطبه من داخله .. ليخاطب مكمن الأسرار فيه مباشرة و كذلك الدين .. و الحب ..

    لحظة الحب و الوجد .. مثل لحظة الكشف و الإلهام .. تتكاشف فيها القلوب بلا وساطة .
    السر يخاطب السر .

    و أنا أؤمن بالعِلم .. و لكني لا أكتفي به .

    و أؤمن بالحواس الست .. و لكني لا أكتفي بها .

    و أعتقد أن الطبيعة يكتنفها السر .
    و أن الحقيقة مغلقة أمام كل محاولة لكشفها بالرادار و الترمومتر و المِجهر وحده .

    و أن الطبيعة في ضوء العلم وحده كابوس حقيقي ..
    و الحياة بالمنطق وحده سخافة ..
    و الواقع بالنظرة الموضوعية مسطح تماماً .

    الطبيعة بدون شِعر .. و بدون موسيقى .. غير طبيعية .

    هل هي رومانتيكية الرجل الشرقي ؟

    نعم أعتقد أني رجل شرقي تماماً .
    و لا أعتذر من أجل شرقيتي .

    ..

    د. مصطفى محمود رحمه الله . .
    من كتاب / تأملات في دنيا الله